السيد محمد مهدي الخرسان

328

موسوعة عبد الله بن عباس

والحيلة . ولكنه كان يزدري الحيلة الملتوية ، ويمقت ما يسميه الناس استغلال الفرصة إذا كان فيه ما يخجل الخُلق . وكان يرفع نفسه عن المكر والكيد ، ولو جاءاه بالنصر ، ويأبى إلاّ الصراحة والصدق ، أوليس هو القائل بصدد ما شاع في زمانه عن دهاء معاوية ، وقعوده هو عن مثل هذا الدهاء - ( والله ما معاوية بأدهى مني ، ولكنه يغدر ويفجر ، ولولا كراهية الغدر لكنت أدهى العرب ) - . وقد أشبعنا هذه الناحية درساً مباشراً أو غير مباشراً فما بنا حاجة للعودة إليها الآن ، وإنّما نذكرها بمعرض الحديث عن حادثتي صفين - يعني استيلاء الإمام على الماء بعد ان أجلى جند معاوية عنه ثمّ أباحه لهم ، ويعني تمكنّه من قتل عمرو بن العاص ثمّ عفته عنه لأنّه شغر برجله وأبدى عورته - لنرى إلى أيّ حد يعجز بعض خصومه وبعض محبيه عن إدراك شخصيته إدراكاً صحيحاً شاملاً ، فإذا بأولئك يتهمّونه بالتقصير في الميدان السياسي ، وإذا بهؤلاء يأسفون لفرصتين لم يستغلهما في الميدان الحربي ، وكلّهم مخطئ بمقياس الشخصية العلوية ، لأنّ مفاهيم السياسة وقواعد الحرب عند الإمام نابعة من معين واحد لا يتجزأ ولا يتقطع ، هو الشخصية العلوية ، أو قل : الروح العلوية الّتي يُصدّق بعضها بعضاً ، وتستند مآتيها الواحد إلى الآخر ، ولا مقياس لديها أجلّ وأعظم من الوجدان السليم والخلق الكريم اللذين يكمنان عنده وراء كلّ قاعدة وكلّ شريعة . ثمّ إنّ قولاً غير هذا نرى من الخير أن نثبته في هذا المقام . تحدّث إليَّ مرة صديق أديب يُعنى بشؤون الإسلام قال : وكأنه ينزع عن ألسنة سائر القائلين : لن تقنعني بأنّ عليّاً كان خبيراً بأحوال السياسة وأمور الرجال ، وبأنّه كان من الموهبة